محمد أبو زهرة

2006

زهرة التفاسير

فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفاسِقُونَ ( 49 ) أَ فَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ( 50 ) وإن الحقد الذي سكن قلوب الذين يخالفونكم من أهل الكتاب لا يسوغ لكم أن تتخذوا منهم نصراء ، فإن بعضهم نصراء لبعضهم ، وإن الذي يرضى أن يكونوا أولياء عليه يكون منهم ، وإن من يفعل ذلك يكون مرتدا عن دينه خاذلا له ، ومن يرتد عن دينه لا يخسر الله تعالى به شيئا ، بل سيخلفه في الإسلام قوم يحبهم الله ويحبونه ، بعد أن زال فساد المنافقين المرتدين . وبين سبحانه وتعالى أن الولاية لله وحده وأن اليهود يتخذون الإسلام هزوا ولعبا ، وأنهم يسارعون في الإثم والعدوان متنقلين في دركاتهما ، وأن الذي أفسدهم أنهم لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر ، وأنهم لم يقيموا التوراة والإنجيل ، وقد أمر الله نبيه في وسط ذلك الغبار الذي يثيرونه أن يبلغ ما أنزل إليه ، وقد بين سبحانه بعد ذلك أنه من يخلص لله يدخل الجنة ؛ لأنه لا محالة سيدرك ما جاء به محمد ويؤمن به ، ولقد بين سبحانه كفر الذين ألهوا المسيح ، وقالوا : إن الله - تعالى - ثالث ثلاثة ، وبين أنه يجب أن يرجعوا إلى الله تعالى ، ولكنهم غلوا في دينهم ، فغلا النصارى في شأن المسيح فقدسوه وألهوه ، وغلا اليهود في الطعن فيه ، وهموا بقتله ، وادعوا أنهم قتلوه . وقد بين سبحانه وتعالى بعد ذلك مراتب أعداء المؤمنين ، فذكر أنه في المرتبة الأولى في العداوة اليهود والمشركون ، والنصارى أقرب مودة من غيرهم ، وذكر سبحانه حال النصارى في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد كانوا يسارعون إلى الإيمان إذا سمعوا الحق كما قال تعالى : وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ ( 83 ) . بعد هذا البيان المعجز ، الذي ابتدأ بذكر آثار الحسد والحقد في ابني آدم إذ قربا قربانا ، ثم ما أدى إليه الحقد من كفر وطغيان ، وطمس للحقائق ، ومعاندة